اسماعيل بن محمد القونوي
206
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الجاهلين نقل عن ابن جرير أنه قال العرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال والظاهر أنه حقيقة أو مجاز لاستلزام أحدهما الآخر ولو ادعائيا إذ العلم بدون عمل يعد جهلا وقد قرىء به « 1 » تأييد لهذا المعنى ولذا قدمه والمعنى من الفاعلين الخ فالضالين بمعنى الجاهلين نزل منزلة اللازم وعطف السفه عليه إشارة إلى ما ذكرناه من أن علم السوء مع ارتكابه جهل أي سفه قال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [ النساء : 17 ] الآية . قوله : ( أو من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله ) وإن قصد الضرب فالتعبير بالضلال لما مر من أن الأنبياء عليهم السّلام عادتهم استعظام محقرات فرطت منهم . قوله : ( أو الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب ) فالجهل على بابه والفرق بين الأول والثالث هو أن في الأول نزل منزلة اللازم كما أشرنا إليه وفي الثالث اعتبر تعديته إلى عما يؤول إليه الوكز والفرق بين الثالث والثاني هو أن الثاني اعتبر فيه الخطأ في القصد وفي الثالث اعتبر الذهول عما يؤول إليه الوكز وشتان ما بين الاعتبارين وإن تلازما . قوله : ( أو الناسين من قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ البقرة : 282 ] ) أو الناسين أي الضالين بمعنى الناسين وأيده بقوله أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فإن الضلال فيه بمعنى النسيان إذ الضلال فقدان المطلوب والنسيان من هذا القبيل لعل المراد نسيان ما يؤول إليه الوكز والفرق بينه وبين الثالث إن في الثالث اعتبر الذهول وهو الذهاب عن القوى الحافظة دون المدركة والنسيان « 2 » الذهاب عنهما رأسا وإذن جواب وجزاء معا لأن قول فرعون وفعلت فعلتك فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله لأن نعمته كانت جديرا بأن يجازي بنحو ذلك الجزاء هذا مختار الزمخشري وقيل إذا هنا حرف جواب فقط قال أبو حيان وهذا أي ما ذكره الزمخشري مذهب سيبويه يعني أنها للجزاء والجواب معا ولكن شراح الكتاب فهموا أنه قد يتخلف عن الجزاء والجواب معنى لازم لها ( حكمة ) . المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل وأما الذهاب فالمعنى وإنا من الذاهبين عما يأول إليه الوكز وهو القتل وفي الكشاف والذاهبين عن الصواب وأما النسيان فمعناه من الناسين كما أن الضلال في قوله تعالى : في حق شهادة امرأتين أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الأخرى والمعنى أن تنسى إحديهما بقرينة فتذكر لأن التذكير إنما يكون في النسيان وقالوا فيه إشارة إلى أن كفران نعمة الكافر قبيح فكيف بنعمة المسلم فضلا عن نعم اللّه السابقة ظاهرا وباطنا .
--> ( 1 ) قارئه ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه كما في الكشاف . ( 2 ) والحاصل النسيان زوال الصورة عن المدركة والحافظة والذهول كالغفلة زوال الصورة عن المدركة دون الحافظة .